|
لقد بينا من التحقيق أن الحديث الذي جاءت به القصة منكر ودلائل النكارة ظاهرة على المتن.
1- من قوله: "عامرهن غيري" حيث أثبت حلول الله في السماء وهذا لا يقوله أحد من أهل السنة أن الله من عمار السماء ولا يتوهم الحلول من قوله تعالى:
أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض
{الملك: 16

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (3-52):
وكذلك قوله تعالى:
أأمنتم من في السماء
من توهم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السماوات فهو جاهل ضال بالاتفاق.
ولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى وأنه فوق كل شيء كان المفهوم من قوله: إنه (في السماء) أنه في العلو، وأنه فوق كل شيء.
وإن قدر أن السماء المراد بها الأفلاك: كان المراد أنه عليها، كما قال:
(
ولأصلبنكم في جذوع النخل
)
(وكما قال:
(
فسيروا في الأرض
وكما قال:
فسيحوا في الأرض
. أه.
قلت: وهذا البيان نقله الدكتور محمد خليل هراس في "شرح العقيدة الواسطية" طبعة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ص(64، 83) حيث قال: "ولا يجوز أن يفهم من قوله في السماء أن السماء ظرف حاوٍ له سبحانه بل إن أريد بالسماء هذه المعروفة (ففي) بمعنى (على)
كما في قوله تعالى:
ولأصلبنكم في جذوع النخل
{طه: 71}، وإن أريد بها جهة العلو (ففي) على حقيقتها فإنه سبحانه في أعلى العلو".
2- ومن دلائل نكارة رواية دراج عن أبي الهيثم، مراجعة موسى ربه مرتين، وردُّه الذكر بكلمة التوحيد مرتين، بدعوى أنه يريد شيئًا يخصه به غير كلمة التوحيد، وكأن موسى عليه السلام لا يعرف مقدار فضل هذه الكلمة التي بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها أفضل جميع شعب الإيمان كما في صحيح مسلم (ح58) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".
وكذا البخاري واللفظ لمسلم كما هو مبين، وحمى الله موسى عليه السلام من هذه القصص المنكرة، فالمرسلون جميعًا أعلم الناس بفضل لا إله إلا الله، قال تعالى: (
وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا
فاعبدون)
{الأنبياء: 25}.
بل موسى عليه السلام في بدء الوحي قال له رب العزة:
وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13) إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري
{طه: 13، 14}.
وبدء الوحي بهذا في غاية التناسب لأن موسى عليه السلام ذاهب إلى فرعون الذي قال عنه رب العزة: (
وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري)
{القصص: 38}.
فمن كان هذا شأنه فهو عالم بفضلها ومعناها، وعامل بمقتضاها.
خامسًا: بدائل صحيحة
هناك العديد من الأحاديث والقصص الصحيحة التي تبين فضل لا إله إلا الله بعيدة عن هذه المنكرات مؤدية هذا المعنى في غاية الوضوح، وهو أنَّ اسم الله لا يثقل معه شيء، فعلى سبيل المثال لا الحصر حديث البطاقة الذي أخرجه الترمذي في "السنن" (ح2639)، وابن ماجه في "السنن" ح(4300)، والحاكم في "المستدرك" (1-6، 529)، وأحمد في "المسند" (2-213) من طريق الليث بن سعد عن عامر بن يحيى عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مثل مد البصر ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا، أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تُظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء".
سادسًا: تحقيق وفوائد
قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم.
قلت: ووافقه الذهبي في "التلخيص"، ونقله الألباني في "الصحيحة" (1-213) (ح135)، وأقره حيث قال: "وهو كما قالا".
ثم قال: "وفي الحديث دليل على أن ميزان الأعمال له كفتان مشاهدتان، وأن الأعمال وإن كانت أعراضًا فإنها توزن، والله على كل شيء قدير، وذلك من عقائد أهل السنة والجماعة والأحاديث في ذلك متضافرة وإن لم تكن متواترة". اه.
قلت: نعم هي متواترة، ولقد أثبت هذا التواتر الإمام الكتاني في كتابه "نظم المتناثر من الحديث المتواتر" (ح296) قال: "أحاديث الصراط والميزان وإنطاق الجوارح وتطاير الصحف وأهوال الموقف وأحوال الجنة والنار".
نقل البرزلي عن "شرح الإرشاد" أنها متواترة، ونقله عنه أبو علي بن رحال في شرحه لمختصر خليل، وفي الشهاب على الشفا في الكلام على حديث الشفاعة الكبرى، ما نصه:
"وفي هذا ونحوه مما بلغ حد التواتر المعنوي رَدٌ على المنكرين من أهل الكلام".
قلت: لذا قال ابن أبي العز في "شرح العقيدة الطحاوية" ص(419): "فعلينا الإيمان بالغيب كما أخبرنا الصادق صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان، وما خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة كما أخبر الشارع، لخفاء الحكمة عليه ويقدح في النصوص بقوله: "لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوال، وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزنًا".
فاللهم اجعلنا ممن قلت فيهم: (
فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة راضية)
{الواقعة: 6، 7}.
هذا ما وفقني الله إليه وهو وحده من وراء القصد.
|